حكاية ملاذ

عليّ أن أعترف .. وقفتُ هنا طويلاً .. يتعثرُ بي ثوبي .. ألملمُ الحروف التي تناثرت خجلاً ، ماذا أخبرهم عني وهم يعرفونني أكثر مني !

في يدي باقة ورد أستقبلُ بها نورَ أعينكم حين تلامسُ كلماتي فتهبُها الحياة .

من هي سامية ؟

في يوم أشرقت على العالم ، فلم يعد العالم كما كان ! 🙂

في الــ 25 من شهر سبتمبر \ أيلول ؛ شهر الخريف ؛ الأوراق المتساقطة والبرد ، المطر والمظلات ؛ في مدينة يبللها المطر علا صوتُ طفلة تستقبل الحياة ببكاءٍ كان أقربُ للمواء ، في مساءٍ هادئ يشبهُها كما أخبرت عنها ( الماما ) .

هشة وضعيفة ، لكنها تعشقُ الحياة ، قاومت كثيراً وانتصرت ، حينها انتثرت ضحكات ( بابا وماما ) فــ نُذرت فرحاً !

( تلك الصغيرة تلتفت لأدق التفاصيل ) سمعت جدتها تهمس بها عنها  فأدركت أن ثمة شيئاً جميلاً في دواخلها لكنها لا تدرك كنهه تماما .

وحين تلامس أذنيها نغمات الناي والعود ، تنقلب شفتاها وترتعش لينهمر دمع صامت حزين على وجنتيها ،  ينتابهم العجب ، ويتضاحكون لحال تلك الصغيرة التي يسرّب النغم روحها كأنها عاشقة رغم أنها لم تتجاوز الأربع سنوات بعد !

غارقة في تأملاتها دوما ، متنحية ركناً تحكى للصغار حكايات تجذبهم بها حتى لا تسمع لهم صوتاً سوى الدهشات والأنفاس المترقبة ، وحين يفيض الشغب تتسلق شرفتها في الطابق العالي جداً لتدلي قدماً من هنا وقدماً من هناك ، تتأمل العالم من هذا العلو ولا تأبه !

تفتح ذراعيها للريح منتشية ، تاركة كل ما يخيفها وراء ظهرها ، تملأ رئتيها حد الارتواء رافعة رأسها عالياً عالياً ليتم اللقاء الأوليّ بين عينيها والغيمات ، فتحلم كل يوم أنها تتنزه على حواف الغيم !

تحوله لحلوى قطن وردية ، تقطف منه وتنثره لــ تُطعم العصافير والأطفال ، وما تبقى منه تلعقه بنهم وفرح !

في الثامنة من عمرها كتبت ما يشبه الشعر رثاءً لروح الجدة الحبيبة ، الجدة التي أسكنتها قصصها وحكاياتها ، وسمتها ( الحنونة ) حتى بات لقباً لها من بعدها .

طفلةُ الميزان .. سلام وانصاف ، هكذا يُحكى عنها ، رومانتيكية تمارس الحياة كما لو أنها فناُ من الفنون ، تعشق الفنون في جميع حالاتها ، يثملها الشعر وعينيه ، يحملها اللحن لعوالم مسحورة تركض بها وحدها كفرس جموح لا تروض أبداً .

تعشق كل ما هو حميمي وقريب وصادق وبسيط ، جريئة مغموسة بالخجل الفاضح في حمرة خديها وبريق العين ، ترفض القيود ، تقاومها ، تتمرد ، لتنطلق بلا مسئوليات الا من ذاتها نفسها .

كفتيّ ميزان  .. تحويان كل ما هو متناقض ، كفة للعقل ، وكفة للجنون ، نشيطة كنحلة حتى يضج العالم ؛ كسولة حتى كأنها ليست ذات الفتاة !

تمضي للنهايات ، لأقصى حدود الروح والعاطفة ، تحزن حتى كأنها من ماء دمع خلقت ، وفي منتصف الدمعة يشرق وجهها بابتسامة حب للحياة ، تغفر كأنما لم يكن ذاك الموت ينسج من أوردتها شركاً .

تحب حتى كأن الحب لم يُخلق الا لها ، وحين يغمرها الغضب يبدو هذا العالم بعيداً ومنكفئاً ومتكوراً أمام هجمتها الضارية ، لكنه يدرك أن نظرة واحدة تترحم تعيدها أماً كونية تنهمر رحمة وعطاء .

الهدوء والسلام يجعلان هذه الروح تنمو من جديد رغم خدوشها وثقوبها التي تتسرب منها يوماً بعد يوم ، تنمو كظلٍ وارفٍ لتضم في جنباتها شقشقات العصافير وأغنياتها .

تعشق الألوان حد الترف \ العطر \ الموسيقى  \ القطط \ حلوى القطن ..

تجذبُ الأطفالَ كما لو أنها تجعلهم ينامون مغناطيسياً ،  تهنأ بضمهم إلى قلبها بعمق وقوة ،  ليبقى منها أثراَ فيهم حتى أمد بعيد .

تعشقُ القراءة والبحر والمطر ، الماء الماء ، كأنها مخلوقةٌ منه وإليه تعود !

الكتابة والشاي الأخضر المنكّه بالياسمين ، النباتات الخضراء والورد .

أشياؤها الصغيرة تخبئُها كــ هبات في أحرفها \ روحها \ ضحكاتها ، تسللتُ على رؤوس أصابعها اليكم \ بينكم  ، هذه أنا ( اتس مي ) ،  تمدُ يديها بــ الحب , تنثره في هذا الفضاء ، ليتحول الى حدائق تزهر بالياسمين والليلك ، يسقيها حبكم كمطر هاطل ايماناً وتقديراً ، مانحة روحها ملاذاً لقلوبكم العامرة بحبٍ مساوٍ وأكثر  .

طفلة ، حاولت أن تكبر .

تتساءل :

أيبقى الطفل فينا كرائحة الأرض \ العشب كلما بللّها مطر !